محمد بن جرير الطبري

384

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

أنه صار في السَّرَب بالنهار مستخفيًا . ( 1 ) * * * وقال بعض نحويي البصرة والكوفة : إنما معنى ذلك : ( ومن هو مستخف ) ، أي مستتر بالليل من الاستخفاء = ( وسارب بالنهار ) : وذاهبٌ بالنهار ، من قولهم : " سَرَبت الإبل إلى الرَّعي ، وذلك ذهابها إلى المراعي وخروجها إليها . وقيل : إن " السُّرُوب " بالعشيّ ، و " السُّروح " بالغداة . * * * واختلفوا أيضًا في تأنيث " معقبات " ، وهي صفة لغير الإناث . فقال بعض نحويي البصرة : إنما أنثت لكثرة ذلك منها ، نحو : " نسّابة " ، و " علامة " ، ثم ذكَّر لأن المعنيَّ مذكّر ، فقال : " يحفظونه " . * * * وقال بعض نحويي الكوفة : إنما هي " ملائكة معقبة " ، ثم جمعت " معقبات " ، فهو جمع جمع ، ثم قيل : " يحفظونه " ، لأنه للملائكة . * * * وقد تقدم قولنا في معنى : " المستخفي بالليل والسارب بالنهار " . ( 2 ) وأما الذي ذكرناه عن نحويي البصريين في ذلك ، فقولٌ وإن كان له في كلام العرب وجهٌ ، خلافٌ لقول أهل التأويل . ( 3 ) وحسبه من الدلالة على فساده ، خروجه عن قولِ جميعهم . * * * وأما " المعقبات " ، فإن " التعقيب " في كلام العرب ، العود بعد البدء ، والرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه ، ( 4 ) من قول الله تعالى : ( وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ) ، أي : لم يرجع ، وكما قال سلامة بن جندل :

--> ( 1 ) " السرب " ( بفتحتين ) : حفير تحت الأرض . ( 2 ) انظر ما سلف ص : 366 - 368 . ( 3 ) سياق الكلام : " فقول . . خلاف لقول أهل التأويل " . ( 4 ) سلف أيضًا تفسير " المعقبات " ص : 369 ، وما بعدها .